ضيوف...
هل إكرام الضيف ثقافةٌ أصيلةٌ لديك؟
قالت بصوتها المعتاد الواثق:
لا تعتمدي عليها باتخاذ القرار، تراها تروح وتجي..
كانت تتحدّث عن المشاعر واستخدمت قولها هذا "تراها تروح وتجي" في إشارةٍ منها بعدمِ الاعتماد عليها في اتخاذ القرار.
ولستُ متحدًثا هنا عن محوريّة المشاعر في اتخاذ القرار، ومدى صوابيّة القرار، وهل الزعم بالقدرة على تحييد المشاعر أو السيطرة عليها واردٌ أصلاً...
إنّما حديثي عن ورودِ المشاعر على القلب! فهيَ ليست كامنةً فيه، إنّما طارئةٌ عليه. وهيَ بذلك تُشبه الضيوف، وقد وجدت أنّ في أدبيّاتنا من سبقني بتشبيه المشاعر بالضيوف، حيث وَرَدَ في لسان العرب: "وضافه الهمُّ أَي نزَلَ به" فشبّه شعورَ الهمّ هنا بأنّه ضيفٌ نزَل بالمضيف(1).
وتنبّه أنّ الضيف لا يقصدك، إنّما كان عابرًا ذو وجهةٍ لا يُشترط أن تعلمها، لكنّه يختبر كرَمك وأصالةَ محتدك(2).
والضيف ذو ميولٍ غالبًا، ومن كرَمِ ضيافتك أن تستشفّ تفضيلاته فتُكرمه بها. فمنهم من يُحبّ الإكرام بالقهوة فحسب، وبعضهم يُحبّ منك مؤانسته وكثرةَ الحديث معه، وهناك ضيوفًا يحبّون العزلة والنأي عن الناس، وبعضهم يُحبّ منك أن تبسطَ له رداءك، وآخرون لا يُحبّون الإثقال عليك، وربّما تأذّوا من مزيدِ حفاوتك... وآخرون ...وآخرون...وآخرون، والأطباع متنوّعة بتنوّع الخلق!
ولكلِّ ضيفٍ واجب، ولكل شعورٍ ضيافة تليق به. والجميلُ في الأمر أنّك ستعرفُ -إن حرصتَ وأصغيتَ- حقَّ كل ضيفٍ من ضيوف الشعور عندك. فتأمّل في حقِّ شعور "الغضب" عندما ينزلُ ضيفًا عليك؟ أهو السكوت والصمت فحسب؟ أم يحتاج منك أن تُغيّر هيئةَ جلوسك؟ أم أنّك تقوم فتتوضّأ؟
ضيفُ الفرحِ خفيفٌ ظريف، وبالرّغم من ذلك فإنّك إنْ جرّبتَ أن تتمسّك به ليمكث عندك أو يُقيم، فستجده قد ضاقَ بك وبإلحاحك...أكرم ضيافته فحسب ثم دعه وشأنه!

وإن حلّ الهمِّ ضيفك وهو ضيفٌ ثقيلٌ غثيث، وتمثّلتَ قول الراعي(3):
أَخُلَيْدُ! إنَّ أَباك ضافَ وِسادَه *** هَمَّانِ ، باتا جَنْبَةً ودخيلاً
فإيّاك أن تكون ممّن يضيق به، فيُشنّع عليك النابغة(4):
أَقامتْ ثلاثًا بين يومٍ وليلةٍ *** وكان النَّكيرُ أَن تُضِيفَ وتَجْأَرا
وأشغلْ نفسك عوضًا عن كثرة الشكوى باستشفاف الضيافة الأنسب له، هل هو الاستغفار؟ أم أن تخرج فتُطيلَ المشيَ؟ أو تتواصلَ مع صديقٍ قديمٍ تُفضي له بمكنون نفسك؟ أم أنّ كثرة الصلاة على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ستذهب همّك؟(5)
تأمّل في نفسك ومن خبراتك بضيوفك -فغالبهم متكررٌ "Frequent Guest". وهيّئ لهم ما يُحبّونه. ولا تجعل برامج الولاء في الفنادق وخطوط الطيران أكثرَ منك كرمًا.
ثم تنبّه! فإنّ الشعور الذي لا تقوم بحقّه لن يُغادرك، بل سيمكث في زوايا قلبك بانتظار ضيافتِك. فقد أُخبرَ مسبقًا بأنّك كريم! ولا علمَ لي بطريقةٍ لتغيير موقفه من كرمك...فالمشاعر لا ذهنَ لها تُفكّر فيه ولا يمكنك -حتى وإنْ استعنتَ باستشاريّ- بأنّ تغيّر من طبائعها عن طريق Mind shift أو Change Management!
والحذر يا عزيزي -وأنا مُحتاج مثلك إلى هذا الكلام- من أن يُحاكَمَ شعورك! فأنت المُضيفُ الذي يُحاكَم لا الضيف!
ومما أصبح معلومًا عندك أنّ الضيوف صاروا كرامًا كونَهم "ضيوف" وليسَ الكرَمُ أصلاً في أشخاصهم، وانظر إلى الحطيئة (6) الهجّاء في قصّته الشعريّة القصيرة "وطاوي ثلاثٍ" عن ضيوفٍ راعوه! فلمْ يُسئ إليهم رغم اعتياده الهجاء! فقد أكرَمَهم رغم ضيقِ حال يدِه وكذلك ضيقِ نفسه!
باتوا كِراماً قد قضوا حقَّ ضيفِهِم *** فلم يغرموا غُرمًا وقد غنموا غُنما
فأكرِم بك مضيافًا تستقبل ضيوفكَ ثلاثًا! (7)
(1): قال في لسان العرب: "والمُضاف : المُلْصَق بالقوم المُمال إليهم وليس منهم...وكلُّ ما أُمِيلَ إلى شيء وأُسْنِد إليه فقد أُضِيفَ"، انظر "ضيف" في لسان العرب
(2): قال في لسان العرب: "حَتَد بالمكان يَحْتِدُ حَتْداً : أَقام به وثبت ....والمَحْتِدُ : الأَصل والطبع "
(3): الراعي، هو عُبيد بن حصين بن معاوية بن جندل النميري، أبو جندل (نحو 40 هـ - 95 هـ ) شاعر من أبرز فحول المحدثين في العصر الأموي، وُلد في بادية البصرة ونشأ بين قومه بني نمير الذين كانوا من أهل السؤدد والمكانة.
(4): النابغة الذبياني، وُلد نحو عام 90 قبل الهجرة، هو زياد بن معاوية بن ضباب الذبياني الغطفاني المضري، ويُكنى أبو أمامة، من أبرز شعراء الجاهلية ومن شعراء الطبقة الأولى. وُلد في الحجاز، واشتهر بين العرب بفصاحته وجزالة شعره، حتى صار يُضرب به المثل في البلاغة والديباجة
(5): وقد جاءت البشرى بكفاية الهمّ في حديث النبيّ صلّى الله عليه وسلم عندما حدّث الناس عن حتميّة الموت ومجيء يوم القيامة، ففزع سيّدنا أُبيّ بن كعب يسأل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن نسبة الصلاة على النبيّ التي يجعلها من ضمن أدعيته: وسيّدنا أُبَيّ بن كعب من القرّاء، وقد أثنى عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بقوله: "...وأقرؤُهُم لِكِتابِ اللَّهِ أبيُّ بنُ كعبٍ..."، وهو الذي ضرب الرسول صلى الله عليه وسلّم على صدره عندما علمَ أنّ آية الكرسيّ هي أعظم آية بالقرآن فقال له: "...واللهِ ليَهْنِكَ العِلمُ أبا المُنذِرِ". فتعلّم منه كثرة الصلاة على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لكفاية الهمّ ومغفرة الذنب.
(6): الحطيئة هو جرول بن أوس بن مالك العبسي، أبو مُليكة، ولد نحو 30 قبل الهجرة وتوفي نحو 45هـ، شاعر عربي مخضرم، أدرك الجاهلية والإسلام، ويُعدّ من أشد شعراء عصره هجاءً وسخرية. اتسم شعره بحدة النقد وسلاطة اللسان، حتى إنه لم ينجُ من هجائه أحد، فهجا أمه وأباه ونفسه.
(7): وإن مكثتْ مشاعرك ثابتةً لا تتغيّر ولا تتحوّل ثلاثةَ أيّام رغمَ حُسنِ ضيافتك لها، فعندها لا بدّ لك من استشارة مختص فهذا ليس من دأب الضيوف ولا الثقلاء منهم!

باحث ...بإمكانك أن تراني باحثًا عن قلمي الذي أحبّه من أيّام الابتدائي أو باحثًا عن مفتاح سيّارتي متواصل الضياع أو ربما باحثًا عن موهبة، أو باحثًا عن البحث بحدّ ذاته...